الشنقيطي

109

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

جزاؤه ، كما هو صريح قوله تعالى : فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ [ المائدة : 95 ] . اعلم أولا أن المراد بقوله وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً [ المائدة : 95 ] أنه متعمد قتله ، ذاكر إحرامه ، كما هو صريح الآية . وقول عامة العلماء . وما فسره به مجاهد ، من أن المراد أنه متعمد لقتله ناس لإحرامه ، مستدلا بقوله تعالى بعده : وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ [ المائدة : 95 ] قال : لو كان ذاكرا لإحرامه ، لوجبت عليه العقوبة لأول مرة . وقال : إن كان ذاكرا لإحرامه ، فقد بطل حجه لارتكابه محظورا لإحرام غير صحيح ، ولا ظاهر لمخالفته ظاهر القرآن بلا دليل ؛ ولأن قوله تعالى : لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ [ المائدة : 95 ] ، يدل على أنه متعمد ارتكاب المحظور ، والناسي للإحرام غير متعمد محظورا . إذا علمت ذلك ، فاعلم أن قاتل الصيد متعمدا ، عالما بإحرامه ، عليه الجزاء المذكور ، في الآية ، بنص القرآن العظيم ، وهو قول عامة العلماء . خلافا لمجاهد ، ولم يذكر اللّه تعالى ، في هذه الآية الكريمة حكم الناسي ، والمخطىء . والفرق بينهما : أن الناسي هو من يقصد قتل الصيد ناسيا إحرامه ، والمخطىء هو من يرمي غير الصيد ، كما لو رمى غرضا فيقتل الصيد من غير قصد لقتله . ولا خلاف بين العلماء أنهما لا أثم عليهما ، لقوله تعالى : وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ [ الأحزاب : 5 ] الآية . ولما قدّمنا في صحيح مسلم « أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لما قرأ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا [ البقرة : 286 ] أن اللّه قال : قد فعلت » . أما وجوب الجزاء عليهما فاختلف فيه العلماء . فذهب جماعة من العلماء : منهم المالكية ، والحنفية ، والشافعية ، إلى وجوب الجزاء ، في الخطأ ، والنسيان ، لدلالة الأدلة . على أن غرم المتلفات لا فرق فيه بين العامد ، وبين غيره ، وقالوا : لا مفهوم مخالفة لقوله متعمدا لأنه جرى على الغالب ، إذ الغالب ألا يقتل المحرم الصيد إلا عامدا ، وجرى النص على الغالب من موانع اعتبار دليل خطابه ، أعني مفهوم مخالفته ، وإليه الإشارة بقول صاحب [ مراقي السعود ] في موانع اعتبار مفهوم المخالفة : أو جهل الحكم أو النطق انجلب * للسؤل أو جرى على الذي غلب ولذا لم يعتبر جمهور العلماء مفهوم المخالفة في قوله تعالى : اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ [ النساء : 23 ] لجريه على الغالب ، وقال بعض من قال بهذا القول ، كالزهري : وجب الجزاء في العمد بالقرآن العظيم ، وفي الخطأ والنسيان بالسنة ، قال ابن